الشنقيطي
105
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فإحصار العدو عندهم ملحق بإحصار المرض بنفي الفارق . ولا يخفى سقوط هذا القول لما قدمنا من أن الآية الكريمة نزلت في إحصار العدو عام الحديبية ، وأن صورة سبب النزول قطعية الدخول ، كما عليه الجمهور وهو الحق . قال مقيده - عفا اللّه عنه - الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل من الأقوال المذكورة هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه ، أن المراد بالإحصار في الآية إحصار العدو ، وأن من أصابه مرض أو نحوه لا يحل إلا بعمرة ؛ لأن هذا هو الذي نزلت فيه الآية ودل عليه قوله تعالى : فَإِذا أَمِنْتُمْ [ البقرة : 196 ] الآية . ولا سيما على قول من قال من العلماء : إن الرخصة لا تتعدى محلها ، وهو قول جماعة من أهل العلم . وأما حديث عكرمة الذي رواه عن الحجاج بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة رضي اللّه عنهم ، فلا تنهض به حجة ؛ لتعين حمله على ما إذا اشترط ذلك عند الإحرام ؛ بدليل ما قدمنا من حديث عائشة عند الشيخين ، وحديث ابن عباس عند مسلم ، وأصحاب السنن ، وغيرهم ، من أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب « حجّي واشترطي » « 1 » ولو كان التحلل جائزا دون شرط كما يفهم من حديث الحجاج بن عمرو لما كان للاشتراط فائدة ، وحديث عائشة وابن عباس بالاشتراط أصح من حديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو ، والجمع بين الأدلة واجب إذا أمكن ، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله : والجمع واجب متى ما أمكنا * إلا فللأخير نسخ بينا وهو ممكن في الحديثين بحمل حديث الحجاج بن عمرو على ما إذا اشترط ذلك في الإحرام ، فيتفق مع الحديثين الثابتين في الصحيح ، فإن قيل : يمكن الجمع بين الأحاديث بغير هذا ، وهو حمل أحاديث الاشتراط على أنه يحل من غير أن تلزمه حجة أخرى ، وحمل حديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو وغيره ، على أنه يحل ، وعليه حجة أخرى ، ويدل لهذا الجمع أن أحاديث الاشتراط ليس فيها ذكر حجة أخرى . وحديث الحجاج بن عمرو ، قال فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « فقد حل وعليه حجة أخرى » « 2 » . فالجواب أن وجوب البدل بحجة أخرى أو عمرة أخرى لو كان يلزم ، لأمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم أصحابه أن يقضوا عمرتهم التي صدهم عنها المشركون . قال البخاري في صحيحه في باب « من قال ليس على المحصر بدل » ما نصه : وقال
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه .